أبي الفرج الأصفهاني
85
الأغاني
البصرة وقالوا : عدوّنا مطلّ علينا - يعنون الخوارج - فأرسل إليهم بالمهلَّب وهو بالموصل ، وكان عامله عليها ، فولَّاه قتال الخوارج ، وخرج مصعب فقال بعض الشعراء : أكلّ عام لك باجميرا تغزو بنا ولا تفيد خيرا [ 1 ] القتال بينه وبين عبد الملك قال : وكان مصعب كثيرا ما يخرج إلى باجميرا يريد الشام ثم يرجع ، فأقبل عبد الملك حتى نزل الأخنونيّة [ 2 ] ونزل مصعب بمسكن إلى جنب أوانا [ 3 ] وخندق خندقا ثم تحوّل ونزل دير الجاثليق وهو بمسكن ، وبين العسكرين ثلاثة فراسخ - ويقال فرسخان - فقدّم عبد الملك محمدا وبشرا أخويه وكلّ واحد منهما على جيش والأمير محمد ، وقدّم مصعب إبراهيم بن الأشتر ، ثم كتب عبد الملك إلى أشراف أهل الكوفة والبصرة ، يدعوهم إلى نفسه ويمينهم ، فأجابوه وشرطوا عليه شروطا ، وسألوه ولايات ، وسأله ولاية أصبهان أربعون رجلا منهم ، فقال عبد الملك لمن حضره : ويحكم ! ما أصبهان هذه ! تعجّبا ممن يطلبها [ 4 ] ، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر : لك ولاية ما سقى الفرات إن تبعتني ، فجاء إبراهيم بالكتاب إلى مصعب فقال : هذا كتاب عبد الملك ، ولم يخصصني بهذا دون غيري من نظرائي ، ثم قال : فأطعني فيهم ، قال : أصنع ماذا ؟ قال : تدعوهم / فتضرب أعناقهم . قال : أقتلهم على ظن ظننته ! قال : فأوقرهم حديدا وابعث بهم إلى أرض المدائن [ 5 ] حتى تنقضي الحرب ، قال : إذا تفسد قلوب عشائرهم ، ويقول الناس : عبث مصعب بأصحابه . قال : فإن لم تفعل فلا تمدّني بهم فإنهم كالمومسة تريد كل يوم خليلا ، وهم يريدون كل يوم أميرا . أرسل عبد الملك إلى مصعب رجلا يدعوه إلى أن يجعل الأمر شورى في الخلافة ، فأبى مصعب ، فقدّم عبد الملك أخاه محمدا ثم قال : اللهم انصر محمدا - ثلاثا - ثم قال : اللهم انصر أصلحنا وخيرنا لهذه الأمة . قال : وقدّم مصعب إبراهيم بن الأشتر ، فالتقت المقدمتان وبين عسكر مصعب وعسكر ابن الأشتر فرسخ ، ودنا عبد الملك حتى قرب من عسكر محمد ، فتناوشوا ، فقتل رجل على مقدمة محمد / يقال له فراس ، وقتل صاحب لواء بشر وكان يقال له أسيد ، فأرسل محمد إلى عبد الملك أنّ بشرا قد ضيّع لواءه . فصرف [ 6 ] عبد الملك الأمر كله إلى محمد ، وكفّ الناس وتواقفوا ، وجعل أصحاب ابن الأشتر يهمّون بالحرب ومحمد بن مروان يكف أصحابه ، فأرسل عبد الملك إلى محمد : ناجزهم ، فأبى ، فأوفد [ 7 ] إليه رسولا آخر وشتمه ، فأمر محمد رجلا فقال له : قف خلفي في ناس من أصحابك فلا تدعنّ أحدا يأتيني من قبل عبد الملك ، وكان قد دبّر تدبيرا سديدا في تأخير المناجزة إلى وقت رآه ، فكره أن يفسد عبد الملك تدبيره عليه ، فوجّه إليه عبد الملك عبد اللَّه بن خالد بن أسيد ، فلما رأوه أرسلوه إلى محمد بن مروان : هذا عبد اللَّه بن خالد بن أسيد ، فقال : ردّوه بأشد ممّا رددتم من جاء قبله ، فلما قرب المساء أمر
--> [ 1 ] باجميرا : موضع في أرض الموصل . ذكره ياقوت في 1 : 454 ، وأورد البيت وعزاه لأبي جهم الكناني . [ 2 ] في معجم البلدان : الأخنونية : موضع من أعمال بغداد . [ 3 ] في معجم البلدان : أوانا : بليدة كثيرة البساتين والشجر نزهة ، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ . [ 4 ] ف : « تعجبا من كثرة من يطلبها » . [ 5 ] الطبري 7 : 185 : ط الحسينية : « أبيض كسرى » . وفي ف : « أبيض المدائن » . [ 6 ] ف : « فصيّر عبد الملك الأمر كله إلى محمد » . [ 7 ] ف : « فرد عليه رسولا آخر » .